نخبة من الأكاديميين
158
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
فهناك مشاهد مُروعة بالقدر نفسه في الحروب بين الحكّام المسلمين كما بين الحكّام المسيحيّين ، وكذلك فعل الجيش الإسلامي عندما تقدّم إلى أراض مسيحيّة فكان على القدر نفسه من القساوة . لكن لدينا صورة أكثر وضوحا للهجمات المسيحيّة لأنّها أخذت تزداد قوة بدءا " من القرن الحادي عشر ولأنّ التاريخ الأندلسي بات مُتطورا " كثيرا " في ذلك القرن ، بينما أخذ قرونا " للتطور في الممالك المسيحيّة . إذ لم يكن هناك ندّ لابن حيّان وابن بسّام وأبي عُبيد البكري في إسبانيا المسيحيّة . بيد أنّ العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين في الأندلس لم تكن مثاليّة كما صورها المؤرخون الذين ضخّموا التعايُش السلمي في تلك البلدان ، كما أنّها لم تكن عنيفة ودمويّة كما صورتها بعض الروايات المتعلقة بالحروب الدائمة التي عصفت بالأندلس . فقد عكست تلك العلاقات حقيقة التاريخ الأندلسي الذي تخللته أوقات للسلم وأوقات أخرى للحرب . ولتكوين صورة واضحة عن هذا الواقع يتعين دراسة العلاقات الاجتماعيّة بين المسلمين والمسيحيّين من جوانب عدّة ، ويُمكن تقويم هذه العلاقات فقط في سياق عدد من الموضوعات الرئيسيّة بما في ذلك الزواج المُختلط ، والرق والتجارة والتقاليد والمُعتقدات الدينيّة . لقد انخرط في التجارة بالأندلس أفراد من كلّ الطوائف . وشملت هذه التجارة ، إضافة " إلى السلع تجارة البشر أيضا " ، فاشترى المسلمون الأندلسيّون وباعوا الرقيق من الأفارقة ، والصقالبة الذين كانوا عبيدا " مسيحيّين من البيض استقدموا على الأرجح من أوروبا ، مع لزوم الإشارة هنا إلى أن مفهوم العبودية في الأندلس كان مختلفاً عنه في أوروبا القرون الوسطى . والثابت أنّ خُلفاء بني أميّة الأندلسيّين كانوا مولعين باقتناء الصقالبة الذين كان بعضهم خصياناً يسمّون « الغلمان » ، فسمح ذلك لبعض هؤلاء الصقالبة بأن يصبحوا مؤثرين جدا " في بلاطات حُكّام بني أميّة . ولهذا نجد أنّه بعد سقوط الخلافة كان أكثر حكّام الطوائف من أصل صقلبي كحاكم دانية مثلًا . غالبا " ما صُورَت العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين في الأندلس بطريقة مثاليّة . ولقد لعب البعد الشخصي للمؤرّخين في أغلب الأحيان دورا " مهمّا " في الجنوح إلى المُبالغة في سرد الوقائع التاريخيّة بينما نعتمد من جهتنا على تكوين صورة قريبة أكثر من الواقع وذلك من خلال تركيزنا على نصوص تاريخيّة كانت وليدة هذا الواقع . وكان المقصود من « النوازل » الفقهيّة أن تُمثّل مشاكل مُنبَثقة من الواقع الاقتصادي الاجتماعي للأندلس ، ولهذا فهي المصدر الأكثر ثقة وصدقية لدراسة قضايا اجتماعيّة تاريخيّة ، بما في ذلك العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين . وفي هذا الصدد ، تشكّل نوازل ابن الحاج نموذجا مهمّا " لمصدر من هذا النوع . فقد توفي ابن الحاج في القسم الأول من القرن الثاني عشر ( 529 للهجرة ) ولهذا كان قادرا " على إصدار تلخيصات جديدة من الأحكام لفُقهاء قرطبة في القرن الحادي عشر وهذا ما سهل على المؤرّخين إحالة النص التاريخي إلى الواقع التاريخي . والمعلومات المتعلّقة بالعلاقات الإسلاميّة المسيحيّة التي يُمكن استخلاصها من نص ابن الحاج هي